الخطيب الشربيني

666

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الذي هو أنعم من الحرير ، فتشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاويل شق النواة مع ما لها من الصلابة التي استعصت بها على الحديد ، فتنفلق نصفين وينبت منها سائر ما يريده سبحانه وتعالى فالذي قدر على ذلك قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض ، وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن ، ويشق جميع منافذه من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل هناك بيكار ولا منشار ، ثم يخرج من البطن . هكذا إخراج الموتى من غير فرق كل ذلك عليه هين سبحانه . ما أعظم شأنه وأعز سلطانه . وَقالَ الْإِنْسانُ أي : هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما أكده عنده من أمر البعث لما له من الأنس بنفسه ، والنظر في عطفه على سبيل التعجب أو الدهش والحيرة أو الكافر كما يقول : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : 52 ] فيقول له المؤمن : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] . ما لَها أي : أيّ شيء ثبت للأرض في هذه الزلزلة الشديدة التي لم يعهد مثلها ولفظت ما في بطنها . يَوْمَئِذٍ أي : إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه وقوله تعالى : تُحَدِّثُ أَخْبارَها جواب إذا وهو الناصب لها عند الجمهور ، ومعنى تحدّث ، أي : تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شرّ يومئذ ، ثم قيل : هو من قول الله تعالى ، وقيل : من قول الإنسان ، أي : يقول الإنسان ما لها تحدّث أخبارها متعجبا . روى الترمذي عن أبي هريرة أنه قال : « قرأ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها قال : « أتدرون ما أخبارها قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها ، تقول : عمل يوم كذا وكذا كذا وكذا . قال : فهذه أخبارها » « 1 » . تنبيه : في تحديثها بأخبارها ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا فتتكلم بذلك . ثانيها : أنّ الله تعالى يحدث فيها الكلام . ثالثها : أن يكون فيها بيان يقوم مقام الكلام . قيل : في الآية تقديم وتأخير تقديره يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان مالها أي : تخبر الأرض بما عمل عليها . بِأَنَّ رَبَّكَ متعلق بتحدّث ، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها والباء سببية ، أي : تحدّث بسبب أن ربك المحسن إليك بأنواع النعم أَوْحى لَها أي : أذن لها أن تتكلم بذلك المذكور بالقال أو بالحال على ما مرّ . قال البقاعي : وعدل عن قوله إليها إلى قول الله تعالى : لَها إيذانا بالإسراع في الإيحاء . وقال البغوي : أوحى لها وأوحى إليها واحد . وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، . وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح . وقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ بدل من يومئذ قبله منصوب بقوله تعالى : يَصْدُرُ أو باذكر مقدّرا ، أي : واذكر يوم إذ كان ما تقدّم وهو حين يقوم الناس من القبور يصدر النَّاسُ أي : يرجعون من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم . وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد بين الصاد والزاي ، والباقون بالصاد الخالصة أَشْتاتاً أي : متفرّقين بحسب مراتبهم في الذوات

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة حديث 2429 .